المبشر بن فاتك
216
مختار الحكم ومحاسن الكلم
وقال : ليكن حرصك على هداية المنحرف عنك إلى الصواب في أمرك أكثر من طلب التشفّى منه ، فإن التشفي مخطر بكما ، والهداية مضلحة لكما وقال : الفضائل تشبه النخل : بطىء الثمرة بعيد الفساد . وقال : إذا حدثتك نفسك أنك قد استغنيت فقد سترها ما اقتنيت بما أنت فقير إليه ومقصّر فيه . وقال : الناس في هذا العالم كرجال وجّهوا إلى أعمال وقرن بكل واحد منهم عدّة تتفقد أمره وتستخير له ما احتاج إلى علمه . فنصب أحدهم غرضه بين عينيه ولم يتشاغل بغيره ، واستخدم حاشيته المضمومة إليه في أمره ومنعها من التمرّد عليه وأخذها بالانقياد له فتهيّبته إلى أن انصرف عن عمله متخلصا من علائقه غير محجوب عن فوزه ، وهو « الحكيم العامل بما علم » . - ورأى آخر من أمره وأراه صاحبه ، إلا أنه ضعف عن مجاهدة من معه ؛ فأحسن مداراتهم واستمتع بمهادنتهم ، فدخل الخلل عمله من الجهات التي قصّر بها عن [ 53 ا ] صاحبه ، وهو « المترف » . - وانصبّ آخر منهم إلى من معه وأعطاهم مقادتهم وشاركهم فيما التذوا به وأجلبوا فيه حتى أغفل ما وكل به ونسي حقيقة أمره ، ورأى أن صاحبيه محرومان خاسرا السّغى ، وأن الأول منهما شقى البخت . فلما حان صدره منعته شواغله عن التخلّص ، فأقام مأسورا لأمره محطوط المرتبة . وهو « المغرق في الشهوات » . وقال : لا يخرج قولك من جناح الحجّة ، ولا فعلك عن ظلّ المعذرة واجذب الناس إلى الصواب بالرفق ، وإلا جاهدك امتعاضهم . وقال : أقوى البخلاء بخلا من حسن بشره وزاد احتماله ، لأنه يجعل ذلك عوضا من رفده ويجد من الأحرار من يحسن موقع ذلك منه ، لأن حسن التلقي مع الحرمان آثر عند الحرّ من البدل مع التقطيب . وقال : أضعف الناس من ضعف عن كتمان سرّه ، وأقواهم من قوى على غضبه ، وأصبرهم من ستر فاقته ، وأقنعهم وأغناهم من قنع بما يسّر له .